الكاتب: عبدالزهرة محمد الهنداوي

في ظل التحديات الخطيرة والكبيرة التي واجهها العراق نتيجة احتلال اجزاء من ارضه من قبل العصابات الارهابية، وما تلا ذلك من عمليات تحرير، وعند الحديث عن خطط اعادة اعمار المناطق المحررة والمتضررة، فثمة الكثير من الافكار والتساؤلات تتبادر إلى الاذهان، فالتحديات كبيرة وخطيرة.
ربما من المفيد الاشارة إلى بعض منها وهي ليست خافية على احد، لاسيما ان ظهور “داعش” رافقه تداع مريع لأسعار النفط، لذلك فقد (تضافرت) هزتان عنيفتان اصابتا الواقع العراقي بشدة ( هزة امنية وأخرى اقتصادية ) فكانت تلك التداعيات من نتاج الهزتين معا.
ولعل واحدة من اصعب نتائج الازمة الامنية، نزوح اكثر من 4 ملايين انسان من المحافظات التي تعرضت للاحتلال “الداعشي” ما تسبب بارتفاع معدلات الفقر بنحو حاد خصوصا في تلك المناطق ، فقد تضاعفت النسبة من 20 إلى 41 بالمئة في محافظات (صلاح الدين ونينوى والانبار)، كما تضاعفت نسبة الفقر في عموم البلاد من 15 إلى نحو الـ30 بالمئة بسبب موجات النزوح تلك ، والبطالة هي الاخرى تضاعفت معدلاتها من 11 إلى اكثر 21 بالمئة خلال سنتين فقط، اضف إلى ذلك حجم الدمار الكبير الذي لحق بالبنى التحتية من جراء العمليات الارهابية والذي قُدر بنحو 40 ترليون دينار، الى جانب ارتفاع نسبة العجز في الموازنة وارتفاع اجمالي الدين العام وتدهور في الحساب التجاري لميزان المدفوعات وتراجع الاحتياطي النقدي للبنك المركزي – وان كان مازال في المنطقة الآمنة – وسوى ذلك من التداعيات والنتائج الوخيمة على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والثقافية، اذ لا يوجد مفصل من مفاصل التنمية الا وأصيب برضوض جانبية في اقل تقدير، وعندما نتحدث عن هذه التداعيات بهذا النحو فإننا يجب ان نذكر الاجراءات التي اتخذتها الحكومة في مواجهة الازمتين التي كان لها اثر واضح في امتصاص حدة الصدمة والخروج منها بأقل الخسائر للانطلاق بعد ذلك في عمليات الاعمار، بعد تحرير كامل الاراضي العراقية من دنس الارهاب، مع انفتاح دولي غير مسبوق نحو العراق، ما يدل على وجود رغبة كبيرة لدى المجتمع الدولي في تقديم الدعم للعراق من اجل تمكينه من اعادة الحياة إلى طبيعتها، بصرف النظر عن النوايا لهذه الجهة او تلك من الجهات التي ابدت رغبة في الدعم .
وعوداً على بدء، فأن من التساؤلات التي تُطرح الآن مع تصاعد وتيرة الحديث عن خطط اعادة الاعمار التي أُعلن عنها مؤخرا، ما هو حجم الدمار الحقيقي الذي لحق بالمناطق التي تعرضت لاحتلال “داعش” ومن ثم تحريرها، ومن المؤكد ان حجم الضرر والدمار متباين ومختلف من منطقة إلى اخرى، فمدينة الرمادي مثلا وصل  حجم الدمار فيها إلى 80 بالمئة والحال ذاته ينطبق على ايمن الموصل، بالمقابل نجد مناطق اخرى لم تتجاوز نسب الاضرار فيها الـ15 بالمئة، فيما لم تنج اية محافظة من محافظات العراق من الاعمال الارهابية سواء كان من خلال الاحتلال المباشر للأرض او من خلال التفجيرات بالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة والانتحاريين، ولهذا فأن الخطوة الاولى التي تبدو اكثر اهمية هي الانتهاء من اعداد التقرير التفصيلي لحجم الاضرار وبدقة متناهية لكل منطقة من المناطق المتضررة، فكلما كان هذا التقرير دقيقا ساعد ذلك في الحصول على دعم دولي سخي للعراق، خصوصا في ظل الحراك الذي تشهده الساحة الان لعقد مؤتمر دولي للمانحين في دولة الكويت في مطلع العام المقبل 2018، كما ان دقة التقرير وواقعيته من شأنها ضمان حقوق جميع المحافظات في الحصول على حقوقها لإعادة اعمارها، على وفق نسبة الضرر الحقيقي الذي لحق بها، وبالتالي يمكن لهذا التقرير ان يساعد في اعتماد مبدأ توظيف الازمات واستثمارها بوصفها فرصا استثمارية بهدف احداث التغييرات والنتائج وصولا لتحقيق مبادئ وأهداف العالمية  للتنمية المستدامة.
فحجم الدمار كبير، والبلد بحاجة إلى عقد من الزمان لإعادة الاعمار، وإعادة الاعمار هذه بحاجة إلى  اموال ليست بالقليلة اذ قُدرت بأكثر من 100 مليار دولار، فرقم مثل هذا يبدو من الصعوبة توفيره في ظل استمرار الازمة الاقتصادية، وهنا يأتي دور المجتمع الدولي والمنظمات الدولية في ان يكونوا شركاء لنا في المرحلة المقبلة على ان يكون العراق ممثلا بحكومته هو القائد لعملية اعادة الاعمار، وليس مستبعدا ان يشهد الواقع الاقتصادي العراقي تحسنا في مفاصله في ظل التوجهات الحالية لإيجاد بدائل تنموية ناجعة وعند ذاك سنختصر مدة الاعمار ونكتفي بما لدينا من دون الحاجة لدعم خارجي .