الحركات الاسلامية

لا يمكن فهم بعض الحركات الإسلامية المحاربة ومن بينها طالبان بدون فهم ازمة العلاقة بين الريف والمدينة، وتحلل أنماط الإنتاج الزراعي التقليدية، وبروز المدن كقوى استقطاب للهجرة والعمالة. يقول عباس امانات في كتابه عن "تاريخ ايران" انه عند مطلع القرن العشرين كان 10٪ فقط من سكان ايران هم من سكان المدن بينما توزعت الغالبية بين سكان الريف والبدو. كانت النسبة في العراق عند نشوء الدولة العراقية الحديثة هي بحدود 70٪ من سكان الأرياف والبدو و30٪ من سكان المدن، واليوم انعكست الصورة تماماً... اكتظاظ المدن هو نتاج لتحلل الحياة الريفية بفعل تراجع أهمية الزراعة او علاقات الاستغلال التي سادت فيها، وتوسع عمليات التحديث وتراكم الثروة في المدن.
كنت قد جادلت في اطروحتي للدكتوراه بان هنالك علاقة بين ظهور الحركات الإسلامية وبين ما اسميته حينها بـ "الحداثة الناقصة"، أي انه بينما يكون التمدين أحد عناصر التحديث الأساسية، فان الهجرة من الريف الى المدينة او انحلال مؤسسات الريف التقليدية أدى الى نشوء مجتمعات تعيش أزمات هوياتية وثقافية حادة، خليط مديني-ريفي بقيم مرتبكة ونظم اجتماعية-ثقافية مختلة وسائلة... لذلك تظهر في هذه البيئات جاذبية الحركات "الطهرانية" التي تحمل ايديولوجيات واخلاقيات ذات لغة مسايرة لفهم ووعي تلك المجتمعات، وتطرح نفسها كبديل "خلاصي"..هكذا ظهرت طالبان في البداية كحركة طهرانية ضد فساد وانقسامات لوردات الحرب والمجاهدين القدامى، بنيتها طلاب المدارس الدينية الذين يعتبرون ان امتلاكهم للعلم الديني يمنحهم علوية أخلاقية على الاخرين ومفاتيح لتنظيم المجتمع المثالي (يوتوبيا النظام الإسلامي).. هكذا أيضا يمكن ان نفهم "التيار الصدري" في انطلاقته الأولى، وجاذبيته الخاصة كحركة خلاصية، طهرانية لسكان بعض المناطق التي انحدر أبنائها من عائلات نزحت من ريف الجنوب. يمكن فهم هذه الحركات ايضاً باعتبارها بديل لنظام "القبيلة" الذي تفكك مع "التحديث"، وهنالك في الغالب توتر بينها وبين مؤسسة القبيلة التي تصارع للبقاء في بعض الأحيان لكنها غالباً تخسر المعركة لصالح "المحاربين الشباب المؤدلجين" لان البنية الاجتماعية – الاقتصادية التي تقوم عليها القبيلة كانت قد تحللت او ضعفت. الأمثلة كثيرة، لكن ما اريد قوله ان الكيليشيهات المبسطة في فهم هذه الحركات، وتضخيم تأثير العامل الخارجي (على أهميته)، لا تخدم ابداً سوى في نشر مزيد من التسطيح ونظريات المؤامرة.
